عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

23

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

آفة هذا المنظر : تلك البقية التي بها يشهد الظاهر والمظهر . فنفسه ، في هذا المنظر ، باقية على الأنانية ، وهو لا يشعر . ومن هذا المنظر ينتقل إلى تجلي الأفعال ، فيذهب عن أنانيته ادعاء الفعل لا غير . * * * منظر ( تجلي الأفعال ) اعلم أن هذا المنظر ، هو والمنظر الذي بعده ، تفصيل لإجمال ، وتكميل ذوق المنظر الوجوي ، السابق ذكره . فهذه المناظر الثلاثة ، هي كالمدارج في المنظر الوجودي ، فلا يكمل المنظر الوجودي إلا بقطع هذه المناظر الثلاثة ، فهي من عين المنظر الوجودي . فأما تجلي الأفعال : فإن الحق تعالى ، إذا كشف عن بصر بصيرة العبد ، فبصره بتجلي الواحدية في العالم ، فإنه أول ما يقع عنده من تفصيل ذلك الإجمال : إرجاع أفعاله إلى الحق تعالى ، فينسبها إليه سبحانه ، بعين ما كان ينسبها إلى نفسه . وفي هذا المشهد : يسلب فعل العبد ، وقوته ، وقدرته ، وإرادته ، فلا يبقى له فعل ، ولا قوة ، ولا قدرة ، ولا إرادة ، بل هو كسائر الجمادات . فهو في هذا المنظر لا فعل له البتة : فلو تكلم ، وسألته عن كلامه ، لقال : لم أتكلم في هذا المشهد ! . وقد يفوت ، ما يفوت ، من الفرائض ، وغيرها على من لم يحفظها اللّه تعالى عليه ، من أوليائه . وقد يصدر ما يصدر عليه من شأن المعاصي ، فيقال : عصى ، وترك ما وجب عليه من الفرائض ، وهو بريء من ذلك ، مسلوب القوة ، والقدرة ، والفعل ، والإرادة ، تقلبه يد الأقدار ، كيف شاء اللّه تعالى ، يمينا وشمالا . وإلى مثل هذا أشار تعالى ، في قوله ، عن أهل الكهف : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ [ الكهف : 18 ] . وفي هذا المنظر يفتح اللّه تعالى على النازل فيه : علم الأقدار ، فيكشف له عن جريان القدرة في الأشياء ، ويشهد جريانها في أفعال الموجودات . ويكشف له عن اللوح المحفوظ ، فيشاهد ما يريده اللّه تعالى منه ، قبل وقوع الفعل عليه ، وعلى غيره ، بمثابة واحدة . فيشهد هذا المحل من اللوح المحفوظ ، فيطلع على سر القدر : فيشهد بلا شهود ، ينسب إليه . ويعلم بلا علم ، ويرى بلا رؤية ، ويفعل بلا فعل ، يضاف إليه .